مقال صحفي: عامٌ من اليتم والتهجير الصامت: العلويون في سوريا منذ آذار المنصرم
بقلم: ج. ج.
[تاريخ النشر: آذار/مارس 2026]
الثامن من كانون الأول من عام 2024، تاريخٌ محفور في ذاكرة السوريين، ليس كنهاية حقبة فحسب، بل كبداية لصفحة جديدة من المعاناة، لا سيما بالنسبة للطائفة العلوية. عامٌ كامل مرّ منذ سقوط النظام، حاملاً معه فصولاً لم تنتهِ بعد من الألم، والمجازر التي ارتُكبت بحق الشعب العلوي، خاصةً في آذار من العام الماضي 2025، لم تكن سوى إيذاناً بتغييرات ديموغرافية واجتماعية عميقة تلوح في الأفق.
التغيير الديموغرافي: “سنرجع يوماً… لكن هل إلى حينا؟”
“سنرجع يوماً إلى حينا ونغرق في دافئات المنى”، كلمات أغنية فيروز الشهيرة التي طالما رددها سكان بلاد الشام بحنينٍ وأمل، أصبحت اليوم صدىً بعيداً لواقعٍ مرير. فالحنين إلى الحي والوطن بات يصطدم بجدران من الخوف والتغيير الديموغرافي الممنهج، الذي يهدف إلى تفريغ مناطق من أهلها الأصليين تحت وطأة الترهيب والفقر.
داخل مدينة حمص، التي شهدت ويلات الحرب لأعوام، تتجلى هذه التحولات بشكل صارخ. يروي لنا سمسار عقارات علوي في حمص شهادته الصادمة: “سمعتُ محاميين اثنين سنيين يتحدثان في سريّة، يقولان إن العلويين يبيعون بيوتهم بأرخص الأثمان، وإن الشارع الفلاني سيصبح قريباً كله للسنة”. هذا الحديث ليس مجرد إشاعة، بل هو انعكاس لواقعٍ ملموس على الأرض. عدد كبير من العائلات العلوية في حارات حمص الشعبية تضطر لبيع بيوتها بأسعار زهيدة لا تتناسب مع قيمتها الحقيقية، والسبب الرئيسي هو البحث عن الأمان.
تتجه هذه العائلات الفارة إلى جوار مدينة طرطوس، تحديداً إلى مناطق مثل دوير الشيخ سعد وقرية الشيخ سعد، حيث يشعرون بأمان أكبر نسبياً بوجود أغلبية علوية، وحيث أسعار العقارات لا تزال منخفضة. إنها هجرة قسرية، يدفع فيها العلويون من أبناء حمص ثمناً باهظاً لأرواحهم وأمنهم، تاركين وراءهم تاريخاً وذكريات ومنازل لم تعد تؤويهم في مدينتهم التي يعيث فيها المتطرفون من البدو وبعض سكان حمص فساداً وإرهاباً وقتلاً.
دماءٌ جديدة تُروى في “باب السباع”: أوهام الوطن والوطنية
قبل أربعة أيام قبل كتابتي لهذه السطور، رُويت أرض حمص بدماء جديدة. الشابان ياسر حسين عباس وحسين حمدي، ساقهما الفقر إلى العمل في معمل بحي باب السباع السني، وهناك، غُدرا. وثقا بالآخرين، لانهما سوريان مثلهم، و الوطن يتسع للجميع. لكن هذه الشعارات الرنانة عن الوطن والوطنية، والتي طالما سمعناها، ما هي إلا أوهام بددتها رصاصات الغدر. إنها تذكرة قاسية بأن ما خفي أعظم، وأن جروح الانقسامات أعمق مما نتصور.
الحرب الإيرانية الإسرائيلية: خناقٌ يضيق على عنق العلويين
ومع تصاعد وتيرة الحرب الإيرانية الإسرائيلية، يضيق الخناق أكثر فأكثر على العلويين. عدد ليس بالقليل منهم يعمل في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، وقد اضطر أغلبهم للمغادرة إلى أماكن أخرى. البعض منهم حاول العودة إلى سوريا، لتتلقاهم الشرطة وحرس الحدود التابعين لهيئة تحرير الشام، حيث تعرضوا للضرب المبرح. قسم منهم أُودع في السجون، وآخرون تعرضوا للسرقة، وقسم منهم فقد حياته. فصولٌ من المعاناة تتكرر يومياً، لتكتب صفحات من المأساة لا نهاية لها.
#قسوة الاقتصاد: من الحطب إلى المحاصيل الصيفية
الضغوط الاقتصادية لا تقل قسوة عن الأمنية. فالعلويون الذين يكدحون في بيع الحطب يتعرضون لمضايقات يومية: تارة تسمح لهم الحواجز العسكرية ببيع بضاعتهم، وتارة تصادرها، وأحياناً يتم اعتقال الشاب العلوي نفسه. ومن يعملون في التفحيم يعيشون في قلق دائم من مداهمة أماكن عملهم، لتُصادر جهودهم ويقذف بهم في غياهب المجهول.
حتى دكاكين العلويين، كبيراً وصغيراً، لم تسلم من دوريات التموين. أحد الأصدقاء في قرية علوية يقول إن “التموين يومياً في القرية، وأصغر عقوبة يكتبونها بحق المتجر المتوسط الحجم هي مائة دولار، وأحياناً تتكرر هذه العقوبات في الشهر أكثر من مرة”. إنها سياسة تهجير وتفقير ممنهجة، تدفع بالتجار الصغار نحو الإفلاس في ظل كساد اقتصادي خانق. أغلبهم يعمل على الديون، يشتري بالدين ويبيع بالدين، في دورة لا تنتهي من “الموت المؤجل”.
في منطقة الغاب، يواجه الفلاحون تحدياً وجودياً. لم يزرعوا بعد محاصيلهم الصيفية كالبامياء والفستق، والناس قلقة من احتمال ألا تسمح السلطات هذا العام بوصول مياه الري إلى أراضيهم، إذ قد تُقطع المياه من سد العشارنة. إنها تكرار لمأساة العام الماضي الذي كان كارثياً بامتياز، عاماً جافاً قضم الأخضر واليابس. البعض القليل منهم زرع البصل وبعض الخضروات الربيعية، في محاولة للتشبث بالأرض.
في المقابل، تشكل البيوت البلاستيكية نوعاً من الغلة المفيدة للمزارعين في سهل عكار وبانياس، لكن حتى هذا الأمل تواجهه سياسات اقتصادية تهدف إلى تدمير المنتج المحلي. السلطة القائمة تفضل الاستيراد، مما يضاعف أرباح المستوردين على حساب تدمير حياة المزارعين المنتجين، لتكتمل بذلك حلقات التفقير الممنهج.
صمودٌ رغم الكسر: قصةٌ لا بد أن تروى
وفي خضم هذه القصص والمآسي، تبرز قصة صديقي، الشاب العلوي الذي يعمل ببيع الحطب. يذهب يومياً إلى الجبل، ورغم الأعطال الكبيرة التي تحدث لدراجته النارية نتيجة الأحمال الثقيلة، ورغم كل شيء، كانت معاناته الكبرى هي سقوطه عن دراجته النارية مما أدى إلى كسر في رجليه الاثنتين. هو عسكري سابق، كان يعمل في مجال إصلاح الآليات، لكن القدر لم يمهله.
تم إسعافه إلى مشفى جبلة الحكومي، حيث أخبره الطبيب أنه بحاجة لعملية جراحية ضرورية لتركيب صفائح في الساقين. لكن و لعدم امتلاكه المال الكافي، نصحه الطبيب بالراحة التامة في الفراش لمدة شهرين دونما أدنى حركة. وفعلاً، هذا ما حدث. ساعده أبناء قريته وأقاربه، ووقفت زوجته الوفية بجانبه. اليوم، يمكنه التحرك قليلاً باستخدام العكازات، قصة صمودٍ ترويها الأيام.
إنها ليست قصصاً من الأوهام والخيال، بل هي حقائق ووقائع على الأرض. ما يحدث في سوريا اليوم، في أعقاب سقوط الأسد، يمكن أن يُكتب عنه نوع أدبي مستقل، نوع من “أدب المآسي”، “آداب ما بعد المجازر”، يوثق الألم، الصمود، والتهجير الصامت الذي يتعرض له مكون أساسي من مكونات النسيج السوري.
