ريتا خير بك
.تنبيه قبل القراءة: أعتذر عن طول هذا المنشور. لكنه جزء أول من سلسلة مقالات بعنوان “ملف دمشق للعلويين”، ولا يمكن اختصار هذا الجرح دون أن نفقد معناه
وصلتني رسائل كثيرة بعد سقوط الجمهورية. كثيرون كتبوا عن دمشق، عن الغربة، عن الحنين، عن الرائحة التي لم تعد هي. لكن رسالة واحدة جعلتني أتوقف، لا لأن صاحبها شاعر، بل لأنه .قال الحقيقة التي نخاف قولها: أنه خرج ولم يشعر بشيء. لا بكاء، لا انهيار، لا وداع. فقط “خواء”
الخواء أخطر من الحزن. الحزن دليل أنك ما زلت تملك ما تبكيه. أما الخواء فهو أن تُفاجأ بأن ذاكرتك لم تجد مكانًا تقف عليه. أن تكتشف أن المدينة التي عشت فيها عمرًا طويلًا صارت لا تُعيد لك نفسك، بل تسحبها منك بهدوء.
هذا ليس مزاجًا. ليس “برودًا”. هذه ظاهرة نفسية–اجتماعية كاملة: انكسار المكان، انهيار الألفة، سقوط السردية التي كانت تجعل الحياة قابلة للفهم.
حين قال صاحب الرسالة إن الشوارع تغيّرت والوجوه تغيّرت ورائحة الهواء تغيّرت، فهو لم يصف دمشق وحدها؛ وصف نفسه. وصف صدمة “العودة إلى غير المكان”: أن تعود فتجد أن الماضي لا يستطيع أن يفتح لك الباب.
وأنا أعرف، قبل أن أكمل، أن بين العلويين من يحب دمشق حبّ الوطن، ومن لم يعرف غير دمشق أصلًا: ولد فيها، كبر فيها، بنى صداقاته وعلاقاته وذاكرته فيها. أفهم ذلك ولا ألغيه. هذه السلسلة لا تطلب من أحد أن يكره مدينةً عاش فيها عمره. لكنها تطلب شيئًا واحدًا: أن نسمي البنية كما هي، وأن نفهم لماذا يولّد المكان عند كثيرين هذا الخواء تحديدًا.
ولكي نفهم الانكسار، يجب أن نفتح ملف دمشق بوصفها مدينة طبقية. دمشق ليست “مركزًا” فقط، بل نظام توزيع: من يُرى ومن لا يُرى، من يحق له أن يتكلم دون أن يعتذر، ومن يضطر أن يزن صوته قبل أن ينطق. بالنسبة لكثير من العلويين، لم تكن دمشق بيتًا بقدر ما كانت “آلة فرز”: تدخل إليها عبر الدولة ،وظيفة، مؤسسة، بيروقراطية، جيش، فتدخل إلى العاصمة، لكنك لا تدخل بالضرورة إلى “المدينة” بمعناها الاجتماعي الكامل. تُستدعى لتقترب من المركز، ثم تُترك على أطرافه.
ومن المهم هنا قول الحقيقة التاريخية بدقة: نعم، بدأ بعض أبناء الريف السوري ومنهم علويون بدخول دمشق منذ الاستقلال: جامعات، وظائف، انتقالات فردية بأعداد محدودة، مثلهم مثل أبناء أرياف أخرى. لكن التحول الأكبر، الواسع، حدث مع استلام البعث للسلطة ثم مع صعود حافظ الأسد تحديدًا: عندها جرى سحبُ أعداد أكبر من القرى إلى دمشق، عبر مؤسسات الدولة والجيش والإدارة، ضمن دولة مركزية مركزها دمشق.
وهنا تبدأ قصة “التدجين” التي لا تُكتب في الرواية الرسمية.
لأن السلطة لم تجلب أبناء الساحل إلى “دمشق الجمال”؛ بل نقلت كثيرين إلى ضواحٍ فقيرة غير مخدمة، موحلة، بلا كرامة عمرانية ولا ضمانات. كأن هذه الضواحي صُممت لتقول لك كل صباح: أنت هنا بشروط. قريب بما يكفي لتُستخدم، وبعيد بما يكفي لتُهان دون أن يسمع أحد.
وأنا لا أتكلم عن الفقر كأرقام. أتكلم عن الفقر كمدرسة تربية طويلة. مدرسة تُعلّم الإنسان أن يعتاد القبح، وأن يعتاد البشاعة العمرانية، وأن يعتاد الوحل كأنه طبيعة، وأن يعتاد أن الكرامة مؤجلة إلى إشعار آخر.
هذا النوع من الاعتياد هو جوهر التدجين: أن يتعلم الإنسان أن يقبل ما لا يُقبل، وأن يسميه “حياة”.
أذكر نفسي قبل خمسٍ وعشرين سنة. ذهبت مع أمي لزيارة صديقة لها في ضواحي دمشق. كان المكان خرابة بالمعنى الحرفي: جدران متعبة، طرق موحلة، ماء قليل، خدمات لا تأتي إلا متأخرة، ووجوه تعرف أنها على الهامش. قلت لأمي ببراءة جارحة: “لماذا تعيش رفيقتك في هذه الخرابة؟”
اليوم أفهم أن سؤالي لم يكن عن بيتٍ فقط، بل عن سياسة. لأن الخرابة لم تكن صدفة. كانت تدريبًا يوميًا على قبول الموقع، وعلى شكر الوجود نفسه، وعلى الرضا بحياةٍ بلا عدالة. كانت “تربية ذل” تُمارَس بلا خطب ولا شعارات.
ثم يأتي التدجين الأدق: تدجين الوظيفة والقرب من المركز.
أن تصبح الوظيفة—لا الكرامة—هي معيار النجاة.
أن يصبح القرب من الدولة—لا الحق—هو صك الأمان.
أن يعيش الإنسان على قاعدة نفسية شديدة القسوة: “ابقَ قريبًا من المركز كي لا تسحقك الأطراف… لكن تذكّر أن المركز لن يعترف بك كاملًا.”
ومن هنا يتولد الشعور الأزلي الذي يعرفه كثير من العلويين في قرارته، حتى إن لم يُقل علنًا لعقود: أنك لا تنتمي تمامًا إلى دمشق. قد لا يقال لك ذلك صراحة، لكنك تلتقطه من التفاصيل: من النظرات، من التلميحات، من الحدود غير المرئية، من السؤال المبطّن “من أين أنت؟” بوصفه حكمًا اجتماعيًا لا فضولًا بريئًا.
.وتأتي التفاصيل الأصغر التي تقتل ببطء: اللغة
.أن تخاف لهجتك في دمشق
.أن تُخفي قافك أو تُلينها أو تبتلعها
هذا ليس ترفًا لغويًا. هذا علامة طبقية–اجتماعية. علامة أن المكان لا يعترف بك إلا إذا مسحت شيئًا من نفسك. وأن الانتماء يُقاس أحيانًا بحرفٍ واحد: هل يفضحك أم ينقذك؟
.هكذا تُكسر الذات دون أن تُكسر العظام. هكذا يُصنع إنسانٌ “مروّض”: يعمل، يلتزم، لا يثير الأسئلة، يبتسم في المكان المناسب، ويخجل من صوته في المكان الخطأ
ثم تسقط الجمهورية. فتسقط معها الأوهام الصغيرة التي كانت تسند هذا البناء: وهم أن المركز يمنحك قيمة، وهم أن المدينة تعترف بك إذا صبرت أكثر، وهم أن الذكريات وحدها .تكفي
الخواء الذي وصفه صاحب الرسالة يعني أن العقد انتهى. أن المدينة التي كانت تمنح معنى—حتى لو كان معنىً قاسيًا—لم تعد تعمل. ولذلك خاف من الخواء أكثر من الحزن: لأنه أدرك فجأة أن ذاكرته لا تجد ما تتكئ عليه، وأن حياته كلها تحتاج إعادة تسمية.
وأنا أعترف هنا بشيء آخر: كثيرون من غير العلويين عاشوا أيضًا في ضواحي دمشق، وعاشوا الفقر والقهر والإهمال. هذا صحيح. لكن هذا المنشور موجّه للعلويين تحديدًا، لا لأن ألمنا “أكثر”، بل لأن تجربتنا تحمل عقدة خاصة: ترك كثيرون بحر القرى ومشهدها وذاكرتها—ما يشبه الجنة البسيطة—ليعيشوا قبح المركز على الأطراف، تحت وعدٍ سياسي كبير، ثم اكتشفوا .أن الوعد كان مشروطًا بالخضوع وبالذل وبالإنكار
السلطة استغلت فقر العلويين التاريخي وتهميشهم الطويل. تهميشٌ عاشوه لعقود طويلة، وتحت إمبراطوريات كبيرة، وفي واقع قلة موارد في الساحل، وفي دولة مركزية تتمحور حول دمشق. ثم جاء حزبٌ يرفع لواء “العمال والفلاحين”، حزبٌ اشتراكي علماني في خطابه، ليستخدم هذه الفئة بالذات: ليعيد تشكيلها كقوة دولة، ثم يترك كثيرين منها على أطراف المدينة، في ضواحي العوز، بوصفهم وقودًا إداريًا وعسكريًا واجتماعيًا. وجاء حافظ الأسد—بوصفه رجل سياسة وعسكر ومعه شبكة مصالح—ليستثمر هذا التاريخ وهذا الحرمان ويحوّله إلى هندسة حكم: قربٌ من المركز مقابل طاعة، وظيفة مقابل صمت، حضورٌ في الدولة مقابل غياب في المجتمع.
واليوم، بعد السقوط، يُقال ما كان يُهمَس به: يُقال في الوجوه. ويبدو وأنا أقولها بواقعية قاسية أن الأمر قد يأخذ في السنوات المقبلة مناحي أقسى، لأن الطبقية الطائفية إذا تحولت إلى خطاب علني، تتحول سريعًا إلى إقصاء علني، ثم إلى إهانة علنية، ثم إلى تبرير لمزيد من العنف الرمزي والاجتماعي ومن ثم الابادة .
وهنا يبدأ الوعي السياسي الجديد الذي أبحث عنه في هذه السلسلة:
أن نسمي دمشق، في علاقتنا نحن بها، كما كانت عند كثيرين: مركزًا طبقيًا استخدم الفقر ودرّبه على الخضوع، ثم طلب منا أن نسمي ذلك “وطنًا”.
وأن نرفض أن نُشترى مرة ثانية: لا باسم الدولة، ولا باسم الحنين، ولا باسم “دمشق التي ستنقذنا”.
لأن النجاة ليست أن نعود إلى عقدٍ قديم. النجاة أن نفهم كيف صُنعت علاقتنا بالمركز، كي لا يُعاد بيعنا من جديد.
(يتبع)





