مجازر الساحل السوري: جريمة منظمة بحق الطائفة العلوية في ظل حكم الأمر الواقع

بقلم راشل غنوم

منذ سيطرة حكومة الأمر الواقع في دمشق بقيادة أحمد الشرع (المعروف بالجولاني)، دخل الساحل السوري مرحلة غير مسبوقة من العنف المنهجي، استهدف بشكل مباشر أبناء الطائفة العلوية، في سياق عمليات انتقام جماعي، وتطهير ديمغرافي مقنّع، وانتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وفق المعايير القانونية الدولية.

لم تكن مجازر الساحل، التي وقعت بين 7 و9 آذار/مارس 2025، أحداثًا عشوائية أو ردود فعل منفلتة، بل جاءت – كما تشير الوقائع – نتيجة سياسات أمنية ممنهجة، سمحت باستخدام السلاح خارج أي إطار قانوني، وأطلقت يد فصائل مسلحة متعددة الانتماءات الأيديولوجية، تعمل تحت مظلة واحدة هي حكومة الأمر الواقع.

أولًا: الوقائع الميدانية – ما كشفه تحقيق رويترز

أظهر تحقيق استقصائي أجرته وكالة رويترز، واستند إلى مقابلات مع أكثر من 200 عائلة من ذوي الضحايا، إضافة إلى مسؤولين أمنيين ومصادر ميدانية، أن 1479 مدنيًا من أبناء الطائفة العلوية قُتلوا خلال ثلاثة أيام فقط، في 40 موقعًا مختلفًا في محافظتي اللاذقية وطرطوس ومحيطهما.

الضحايا سقطوا في عمليات:

  • إعدامات ميدانية
  • اقتحام منازل مدنيين
  • نهب وحرق ممتلكات
  • اختفاء قسري لعشرات الأشخاص
  • إلقاء جثث في البحر في محاولة لطمس الأدلة

كما وثّق التحقيق استخدام قنوات اتصال رسمية، من بينها مجموعات على تطبيق “تلغرام”، أنشأها مسؤولون في وزارة الدفاع التابعة لحكومة الأمر الواقع، لتنسيق التحركات العسكرية، ما ينفي رواية “الانفلات الفردي”.

ثانيًا: التلاعب بالرواية الرسمية وتزوير الحقائق

عقب المجازر، سارعت وزارة الدفاع التابعة لحكومة الجولاني إلى إصدار بيانات متناقضة، حاولت من خلالها:

  • تقليص عدد الضحايا
  • نفي الطابع الطائفي للجريمة
  • تحميل المسؤولية لما يسمى “فلول النظام السابق”
  • الادعاء بوجود اقتتال داخلي بين أبناء الطائفة العلوية نفسها

الأخطر من ذلك، هو تزوير شهادات الوفاة، حيث وثّقت مصادر محلية إدراج أسباب وفاة كاذبة، من بينها:

  • “القتل على يد فلول النظام السابق”
  • “القتل على يد أبناء الطائفة نفسها”

وهي روايات تهدف بشكل واضح إلى:

  • إشعال فتنة داخلية بين العلويين (حيدرية/كلازية)
  • طمس المسؤولية الجنائية للفصائل المسلحة
  • إعاقة أي مسار دولي للمحاسبة

ثالثًا: البعد الديمغرافي – استهداف الشباب والنساء

لا يمكن فصل هذه المجازر عن سياق أوسع، يتمثل في:

  • تقليص عدد الشباب العلويين عبر القتل والاعتقال والاختفاء
  • استهداف النساء من خلال الخطف، والاحتجاز القسري، والزواج بالإكراه، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)

هذه الممارسات تحمل سمات سياسة تغيير ديمغرافي، لا سيما في مناطق ذات رمزية جغرافية وسياسية كالساحل السوري.

رابعًا: المسؤولية القانونية لحكومة الأمر الواقع

بحكم سيطرتها الفعلية على الأرض، تتحمل حكومة الجولاني المسؤولية الكاملة عن:

  • حماية المدنيين
  • ضبط الفصائل المسلحة
  • منع الجرائم والانتهاكات

الفشل في ذلك، أو التواطؤ فيه، يضع هذه الحكومة تحت طائلة:

  • المادة 7 من نظام روما الأساسي (جرائم ضد الإنسانية)
  • المادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف
  • مبدأ “مسؤولية الحماية” (R2P)

خامسًا: دور المجتمع الدولي والأمم المتحدة

إن الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات القلق، شجّع على الإفلات من العقاب. وعليه، فإننا نطالب بـ:

  • تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة
  • إرسال بعثة تقصي حقائق إلى الساحل السوري
  • حماية الشهود والناجين
  • وقف الاعتراف السياسي بأي سلطة متورطة بجرائم جماعية
  • إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية

ما جرى في الساحل السوري ليس صفحة من الماضي، بل جريمة مستمرة تُرتكب في الحاضر، تحت أعين العالم. أبناء الطائفة العلوية ليسوا امتدادًا لأي نظام، بل مدنيون سوريون لهم الحق في الحياة، والكرامة، والحماية المتساوية.

إن العدالة ليست خيارًا سياسيًا، بل التزام أخلاقي وقانوني، وأي تجاهل لهذه الجرائم هو مشاركة غير مباشرة فيها.