بقلم راشل الغنوم
في جريمة جديدة تضاف إلى سلسلة الانتهاكات التي ترتكبها المجموعات المسلحة التي تسيطر على مناطق مختلفة في سوريا، شهدت قرية العلمين في ريف حماه الجنوبي اعتداءً وحشيًا ضد سكانها، حيث اقتحمت مجموعات إرهابية تابعة لما يسمى “حكومة الأمر الواقع”تحت قيادة الجماعات الجهادية المدعومة من الجولاني، بقرار من وزير الأوقاف الإرهابي، بهدف فرض أفكار تكفيرية على سكان القرية. جريمة تكفير لا تقتصر على الأفراد فقط، بل هي هجوم على الهوية الدينية والطائفية للشعب السوري، كما تُعد اعتداءً صارخًا على حرية الاعتقاد التي يكفلها الدين والدستور.
حكومة الجولاني: بين التكفير والسيطرة
حكومة الجولاني، وهي تابعة للمجموعات الجهادية في إدلب، أصبحت تمثل نموذجًا جديدًا للسلطة الدينية والسياسية التي لا تتوانى عن فرض آرائها المتطرفة بالقوة. في حادثة العلمين، أُجبر أهالي القرية من أبناء الطائفة العلوية على اختيار بين أمرين: إما اعتناق الفكر الوهابي الذي يروج له ابن تيمية، أو دفع الجزية المالية، أو حتى المساومة على بناتهم كسبايا. هذا التهديد يأتي في سياق استراتيجية الإرهاب الذي يمارسه هؤلاء الإرهابيون، حيث يرون في تكفير الآخرين وتصفية كل من لا ينتمي إلى أيديولوجيتهم وسيلة لفرض سيطرتهم وتحقيق أهدافهم السياسية والدينية.
الوزير الذي يروج لهذه الأيديولوجية التكفيرية، وبحسب التقارير الواردة، يُحمل فكرًا متطرفًا يستند إلى فتاوى من ابن تيمية، الذي يعتبر رمزًا للفكر الوهابي التكفيري. ابن تيمية، الذي كان له دور كبير في تقويض مفاهيم التسامح في الإسلام، تبنى أفكارًا متشددة جعلته يتجاوز الحدود الطبيعية للأحكام الشرعية، حيث اعتبر جميع المسلمين الذين لا يتبعون مذاهب معينة كفارًا، وهو ما ترفضه أغلب المدارس الفكرية الإسلامية التي تؤمن بتعددية الآراء والمذاهب.
قرية العلمين: بين الضحية والمقاومة
ولكن ما يميز حادثة العلمين عن غيرها من الحوادث هو الاستجابة من قبل أهالي القرية. رغم الاعتداءات المستمرة والتهديدات التي طالت الرجال والنساء على حد سواء، أكد العديد من السكان المحليين أنهم لن ينصاعوا لهذا الإملاء الإرهابي. في حديث لأحد سكان القرية، أشار إلى أن هناك مجموعة من الشباب الذين قاوموا بشدة محاولات الإرهابيين فرض أفكارهم المتشددة عليهم، ورفضوا الانصياع لمطالبهم التكفيرية. هذا الموقف يظهر التمسك الكبير لدى أبناء الطائفة العلوية بهويتهم الدينية والمذهبية، والتي تشكل جزءًا لا يتجزأ من تاريخهم وثقافتهم.
إن الأبعاد السياسية والاجتماعية لهذا الحادث لا تقتصر فقط على اعتداءات عرقية أو مذهبية، بل تكشف عن عمق الأزمة التي تعيشها المناطق الخاضعة لهذه الجماعات، حيث يتفشى الانقسام الديني والسياسي بشكل واسع. ما كان قد بدأ كصراع سياسي في سوريا أصبح اليوم يشمل صراعًا مذهبيًا، تسعى من خلاله هذه الجماعات إلى فرض سلطتها على كافة فئات الشعب السوري، باستخدام الإسلام كأداة لشرعنة أعمالهم.
الإسلام وموقف أهل البيت: من هو ابن تيمية؟
الإشكالية التي تطرحها حادثة العلمين هي محاولة بعض الجماعات إرهاب المجتمع السوري من خلال التقوقع على أيديولوجيات متشددة ونظرة أحادية للدين. إن ابن تيمية، الذي يُروج له من قبل بعض القوى التكفيرية، ليس مرجعًا معترفًا به من غالبية العلماء المسلمين، إذ أن أفكاره تسببت في انقسامات خطيرة داخل الأمة الإسلامية. إن سعي هذه الجماعات لتكفير أبناء الطائفة العلوية ووصفهم بالكفار ليس فقط إهانة للإسلام، بل هو تهجم على دين وثقافة جزء من الأمة.
أهل بيته صلى الله عليه وسلم كانوا وما زالوا رمزًا للوحدة والرحمة في الإسلام، وعلى الرغم من المحاولات المتكررة لتشويه صورتهم من قبل التكفيريين، فإن مواقفهم التاريخية لا زالت تشهد على تقوى وتسامح الإسلام. أليس الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال: “علي مني وأنا من علي”، مما يعكس العلاقة المقدسة بينه وبين أهل بيته؟ فكيف يُمكن لمن يزعمون تمثيل الإسلام أن يتهموا أهل البيت بالكفر في وقت يرفعون فيه راية الجهاد باسم الإسلام؟ هذه مفارقة لا يمكن أن تُفهم إلا من خلال أيديولوجيات متطرفة لا علاقة لها بالروح الحقيقية للدين.
اهل ستسكت الضمير؟
اليوم، بعد كل هذه الاعتداءات التي طالت أهالي قرية العلمين، يبقى السؤال الأهم: هل ستسكت الأصوات الحرة التي تقاوم هذا الظلم؟ هل ستظل الحكومة السورية والمنظمات الدولية في صمت أمام هذه الانتهاكات؟ لا يمكن لهذه الجرائم أن تمر دون محاسبة، سواء كان ذلك على المستوى الوطني أو الدولي.
إن ما يحدث في قرية العلمين هو جريمة بحق الإنسانية، ووصمة عار على جبين كل من يسكت عن هذا الإرهاب. ينبغي أن يكون الرد على هذه الأفعال إدانة قوية لكل من يشارك أو يروج لهذا الفكر التكفيري، وكذلك دعم المتضررين الذين لا يزالون يقاومون هذا الظلم العظيم.





